عباس حسن
498
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الأصيل . لكن إذا قلنا : اشكر المحسن على إحسانه ، لم نفهم الاستعلاء الحقيقي ، ولم يرد على خاطرنا أن الشكر قد حلّ واستقرّ فوق الإحسان ؛ لاستحالة هذا ، وإنما الذي يخطر ببالنا هو أن المراد : اشكر المحسن لإحسانه ، فالحرف : « على » قد جاء في مكان : « اللام » التي معناها : « السببية » ، أو « التعليل » . فأفاد ما تفيده اللام ، ولكن إفادته على سبيل المجاز ؛ ذلك أن لام التعليل تفيد التمكن والاتصال القوى بين السبب والمسبب ، أو بين العلة والمعلول ؛ والاستعلاء يشبهها في أنه يفيد التمكن والاتصال بين الشيئين ؛ فلهذا التشابه صح استعمال الاستعلاء مجازا ، مكان السببية والتعليل . وتبع ذلك استعمال الحرف الدال على الاستعلاء مكان الحرف الدال على السببية . والقرينة الدالة على أن الحرف : « على » مستعمل في غير حقيقته وجود الفعل : « اشكر » إذ لا يستقر الشكر فوق الإحسان ، ولا يوضع فوقه وضعا حقيقيّا . ومثل ما سبق يقال في بقية حروف الجر حين يؤدى الواحد منها معنيين أو أكثر . أما أمثلة التضمين « 1 » في العامل فمنها قول بعض الأدباء : « نأيت من صحبة فلان بعد أن سقاني بمر فعاله » . والأصل : نأيت عن صحبة فلان ، بعد أن سقاني من مر فعاله . ولكنه ضمن الفعل : « نأى » الذي لا يتعدى هنا بالحرف « من » معنى فعل آخر يتعدى بها ؛ هو : بعد ، أو « ضجر » ؛ فالمراد : بعدت أو ضجرت من صحبة فلان . كما ضمّن الفعل : « سقى » الذي لا يتعدى هنا « بالباء » معنى فعل آخر يتعدى بها ؛ هو : « آذى » ، أو « تناول » . فالمراد : « آذاني » أو تناولني بمرّ فعاله ، وكذلك : شربت بماء عذب ؛ فإن الفعل شرب قد ضمّن معنى الفعل : « روى » فالأصل : رويت . وهكذا بقية حروف الجر . * * * والمذهب الثاني « 2 » : أن قصر حرف الجر على معنى حقيقي واحد ، تعسف وتحكم لا مسوّغ له ، فما الحرف إلا كلمة ، كسائر الكلمات الاسمية والفعلية ، وهذه الكلمات الاسمية والفعلية تؤدى الواحدة منها عدة معان حقيقية « 3 » ، لا مجازية ،
--> ( 1 ) بعض الأمثلة السابقة صالح « للتضمين في الفعل مع بقاء حرف الجر على معناه الحقيقي » . وكذا نظائرها . ( 2 ) وهو مذهب الكوفيين . ( 3 ) والمراد هنا ما يشمل الحقيقة اللغوية ؛ والحقيقة العرفية .